إبراهيم بن علي الحصري القيرواني
211
زهر الآداب وثمر الألباب
ثم قال : اذهب ، فلا صحبك اللَّه ، ولا وسّع عليك « 1 » ! وخرج أبو حازم يوما يرمى الجمار ، فإذا هو بامرأة حاسر « 2 » قد فتنت الناس بحسن وجهها ، وألهتهم بجمالها ، فقال لها : يا هذه ، إنك بمشعر حرام ، وقد فتنت الناس وشغلتهم عن مناسكهم ، فاتقى اللَّه واستترى ؛ فإنّ اللَّه عز وجل يقول في كتابه العزيز : ( وليضربن بخمرهنّ على جيوبهنّ ) ؛ فقالت : إني من اللاتي قيل فيهن : أماطت كساء الخزّعن حرّوجهها وأرخت على المتنين بردا مهلهلا من الَّلاء لم يحججن يبغين حسبة ولكن ليقتلن البرىء المغفّلا « 3 » الشعر للحارث بن خالد المخزومي . فقال أبو حازم لأصحابه : تعالوا ندع اللَّه لهذه الصورة الحسنة ألَّا يعذبها اللَّه تعالى بالنار ! فجعل أبو حازم يدعو وأصحابه يؤمّنون ، فبلغ ذلك الشعبي ، فقال : ما أرقّكم يأهل الحجاز وأظرفكم ! أما واللَّه لو كان من قرى العراق لقال اعزبى عليك لعنة اللَّه ! وكان أبو حازم من فضلاء التابعين ، وله مقامات جميله من الملوك ، وكلام محفوظ يدلّ على فضله وعقله ، وهو القائل : كل عمل تكره من أجله الموت فاتركه ، ولا يضرك متى متّ . وكان يقول : ما أحببت أن يكون معك غدا فقدّمه اليوم . وكان يقول : إنما بيني وبين الملوك يوم واحد ، أما أمس فلا يجدون لذته ، وأنا وإياهم من غد على وجل ؛ وإنما هو اليوم ، فما عسى أن يكون اليوم ؟ وقال أبو العتاهية : حتى متى نحن في الأيام نحسبها وإنما نحن فيها بين يومين يوم تولَّى ، ويوم نحن نأمله لعلَّه أجلب اليومين للحين « 4 »
--> « 1 » الخطاب لقائل البيت الأخير « 2 » امرأة حاسر وسافر : ليس على وجهها قناع « 3 » المغفل : الطيب القلب « 4 » الحين - بفتح الحاء وسكون الياء - الهلاك